معالي السيد وزير الخارجية يلقي محاضرة في جامعة كامبريدج

جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها معاليه في كلية جيرتون بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة

26 أكتوبر 2026

فيما يلي نص المحاضرة التي ألقاها معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، في كلية جيرتون بجامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة.

عنوان المحاضرة: “الأمن الشامل في الخليج”.

سيدتي رئيسة كلية جيرتون بجامعة كامبريدج إليزابيث كيندال،

حضرات الضيوف الكرام،

أصدقائي الأعزاء

إنه ليشرفني أن تتاح لي هذه الفرصة للحديث إليكم هذا المساء في كلية جيرتون.

ويسعدني أن أتحدث إليكم، ليس لأنني ألبي دعوة باحثة قدمت إسهاما بارزا في فهم تاريخ المجتمع العربي وثقافته وواقعه المعاصر فحسب، بل أيضا لأنني أتحدث في كلية كان لالتزامها بأعلى مستويات التميّز الأكاديمي للمرأة أهمية تاريخية حقيقية.

لذلك، شكرا جزيلا عزيزتي إليزابيث على استضافتي اليوم.

وأشكركم جميعا على حضوركم للاستماع إلى ما سأقوله.

إنه لشرف وتحدٍ في آنٍ واحد أن أشارككم بعض الأفكار المستمدة من حياة كرّستُ معظمها للعمل الدبلوماسي.

واسمحوا لي قبل أن أبدأ حديثي إليكم، أن أنوه بالحفاوة البالغة التي أبداها جلالة الملك تشالرلز والملكة كاميلا في قلعة ويندسور، وحسن استقبال حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم سلطان عمان والوفد المرافق له في زيارة الدولة التي قام بها جلالته إلى المملكة المتحدة خلال الأسبوع الماضي.

وقد أكدت الزيارة مجددًا على ما تتسم به هذه العلاقة من ديمومة استثنائية وعمق؛ إنها علاقة تعود جذورها الرسمية إلى معاهدة الصداقة التي وقعها البلدان عام 1798 وإلى اتفاقية تجارية أُبرمت مع شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1647.

وأتاحت الزيارة تفاعلا دبلوماسيا واقتصاديا مهما في وقت يشهد توترا إقليميا حادا.

ونحن ممتنون حقا لجلالة الملك لإشادته، في كلمته خلال مأدبة العشاء الرسمية، بالحياد البنّاء الذي تنتهجه سلطنة عُمان وبـجهودها النبيلة كوسيط موثوق به في دعم حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، بما يؤكد على دور عمان الجيوسياسي المستمر وقيمتها في خدمة المصالح البريطانية والدولية الأوسع.

كما أسفرت المحادثات مع رئيس الوزراء آندي بيرنهام عن نتائج ملموسة، تشمل توسيع التعاون في مجال الاستثمار السيادي، ومشروع كبير لمركز بيانات للذكاء الاصطناعي، وزيادة قدرة وكالة ضمان الصادرات البريطانية على دعم الصادرات البريطانية إلى عُمان، وتعزيز التنسيق في مجال الأمن البحري.

لقد جسّدت الزيارة، في بُعديها الرمزي والعملي، كيف لشراكة راسخة في التاريخ أن تواصل التكيّف مع الأولويات المعاصرة، والترابط المستمر بين الأسرتين الحاكمتين والمصالح الاستراتيجية المشتركة والالتزامات الملموسة والعملية.

أود أن أتحدث هذا المساء عن أمن المنطقة التي أعيش فيها: الخليج

هل هو الخليج العربي أم الخليج الفارسي؟ في الحقيقة، التسمية موضع خلاف، لكنه لا خلاف على الأهمية الاستراتيجية للخليج.

وستدركون سبب أهمية ذلك.

إن الأحداث التي شهدتها السنتان الماضيتان جعلت القليلين فقط يفكرون في أمن الخليج دون أن يتحدثوا بشكل أو بآخر عن موضوع انعدام الأمن فيه.

وعن الدول التي تشهد توترات وعداوات قديمة.

وعن ممر مائي عالمي شديد الهشاشة أمام أي اضطراب.

وعن تاريخ طويل من النزاعات المسلحة، بداية من الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، إلى حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991، وصولًا إلى الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران.

واليوم، ينظر كثيرون إلى منطقة الخليج وإلى حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها، على أنها أخطر تهديد للأمن العالمي، فضلا عن كونها مكان تتعرض فيه الأرواح وسبل العيش لخطر الاضطراب والدمار.

وبلدي عُمان ليس بمنأى عن حالة انعدام الأمن الإقليمي هذه.

صحيح أن عُمان تتمتع بعلاقات سلمية مع جميع جيرانها.

وحياتنا اليومية هادئة، ويحلو للبعض أن يصف سلطنة عُمان بأنها واحة سلام في منطقة تمزّقها النزاعات.

لكن هذه ليست الصورة الكاملة.

فعمان تدرك حقيقة أن أمنها يعتمد على أمن جيرانها.

وهذا ما يدفعنا ويحفزنا على بذل الجهود للتواصل مع جيراننا من أجل حل النزاعات، وبناء الثقة، والحفاظ على السلام الذي نتمتع به وتوسيع نطاقه.

ومن المعروف على نطاق واسع أن سلطنة عُمان شاركت في مرحلتين من المفاوضات الحاسمة في الخليج على مدى العامين الماضين، والتي كان أمن المنطقة، بطبيعة الحال، على المحك بشكل كبير في المرحلتين.

تمثلت المرحلة الأولى في سلسلة المحادثات غير المباشرة التي يسّرتها سلطنة عُمان في مسقط وروما وجنيف، وشملت خمس جولات في أبريل ومايو 2025، وثلاث جولات في فبراير من هذا العام.

لقد سعت إيران والولايات المتحدة، في هذه المحادثات، إلى تسوية خلافاتهما حول البرنامج النووي الإيراني، وإنهاء 47 عاما من العداء المتبادل.

أما المرحلة الثانية فبدأت بعد التوقيع على مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة في 17 يونيو، التي أوقفت النزاع المسلح الذي كان قد اندلع في 28 فبراير.

وأرجو ألا ننسى أن ذلك حدث بينما كانت المحادثات حول القضية النووية لا تزال جارية.

وهذه الجولة الثانية من المفاوضات، التي جرت في إطار مذكرة التفاهم، كانت بين عُمان وإيران، وكانت تهدف إلى التوصل إلى اتفاق على ترتيبات من شأنها المساعدة في ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

لقد كانت عُمان تعتقد أن الجولة الأولى من المفاوضات، بين إيران والولايات المتحدة، تحرز تقدما كبيرا، وأن الاتفاق أصبح في متناول اليد.

ونحن مازلنا نتمسك بهذا الرأي حتى يومنا هذا.

فما زالت البنود الأساسية لمثل هذا الاتفاق قائمة، إذا قرر الطرفان العودة إلى هذه المفاوضات.

لكن طريق العودة إلى طاولة المفاوضات، بعد انتهاء الحرب إن شاء الله، أصبح الآن شديد الصعوبة على الولايات المتحدة وإيران.

وكان من المتوقع أن تكون إحدى المراحل الرئيسية على طريق تجدد المفاوضات هي التوصل إلى اتفاق بشأن استئناف حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

وقد أسفرت المحادثات رفيعة المستوى والمشاورات الفنية بين عمان وإيران عن وضع الخطوط العريضة لترتيب مؤقت. لكن، حتى هذا الترتيب يواجه عقبات سياسية.

وببساطة، يصعب تصور تنفيذ أي ترتيب من هذا القبيل ما لم تكن إيران والولايات المتحدة على استعداد لتقديم تنازلات والتوصل إلى تفاهم عملي، يشمل التراجع عن بعض الإجراءات التي تم اتخاذها خلال الحرب الأخيرة، والتي أدت إلى توقف حركة الملاحة البحرية إلى حد بعيد.

لقد قيل الكثير وكُتب الكثير عن هاتين العمليتين، ولا أريد أن أضيف إلى ما هو متاح وما هو معلن بالفعل.

لكن، ما يروق لي أن أفعله هو أن أتحدث عن الدروس المستفادة من تجربة عمليتي التفاوض هاتين، غير المكتملتين، بشأن آفاق تحقيق أمن إقليمي حقيقي في منطقة الخليج.

الدرس المستفاد الرئيسي الذي يمكن استخلاصه والتأمل فيه هو هذا.

إن ما يعيقنا هو أن القضايا، التي ينبغي أن تعالجها دول الخليج نفسها على المستوى الإقليمي، باتت أكثر تعقيدًا وبالتالي، تستعصي على الحل، بل وأحيانًا يستحيل حلها، لأن ترتيبات أمن المنطقة لم تتطور بما يكفي.

وهذه الترتيبات لم تتطور بما يكفي لأنها اعتمدت كثيرا على مشاركة قوى خارجية.

وما العقبات التي تعترض التوصل إلى حلول ناجحة لقضية الملف النووي الإيراني ولمسألة حرية الملاحة في مضيق هرمز إلا أحدث تداعيات مزيج غير مستقر من استعراض القوة والتبعية في الخليج.

بعبارة أخرى، يستحيل حلّ قضية الملف النووي وقضية مضيق هرمز لأن قوى خارجية تحدد شروط المشاركة، في حين تعجز القوى الإقليمية عن تولي المسؤولية الجماعية عن وضع ترتيبات أمنها بنفسها والتوصل إلى توافق بشأنها.

ولهذا السبب، أدعو في كلمتي اليوم إلى أن نتحرك نحن في منطقة الخليج ونتولى مسؤولية أمننا بأنفسنا، وأن نقوم بذلك بطريقة شاملة.

أي بإشراك جميع دول الخليج، كمسألة مبدأ وممارسة.

دول مجلس التعاون الخليجي الست، والعراق.

وبالتأكيد إيران، التي تم إقصاؤها بصورة منهجية على مدى قرابة نصف قرن عن لعب أي دور مهم في ترتيبات أمن المنطقة.

وهو إقصاء ترتبت عليه عواقب سلبية عميقة، ليس على إيران فحسب، وإنما على المنطقة بأسرها.

وهنا أود الإشارة إلى بعض الملاحظات التاريخية التي قد تساعد في تفسير كيف حدث ذلك ولماذا تسبب في هذا القدر من الضرر.

فهناك تاريخ طويل لأناس يبتكرون خططا للأمن، ليس في الخليج فقط، وإنما في الشرق الأوسط ومنطقة غرب آسيا.

وتمتد هذه الترتيبات من اتفاقية سايكس–بيكو، التي قسّمت الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وصولا إلى “مجلس السلام” في غزة الذي لا يلعب الفلسطينيون أي دور فيه فيما يتعلق بشروط العيش والحكم بالنسبة لهم في غزة.

أما القوى الإقليمية، التي استُبعدت في البداية من هذه الخطط أو أُدرجت فيها كشريك ثانوي، فقد عجزت لاحقًا عن تقديم بدائل لسلسلة من الترتيبات الاستعمارية وترتيبات الحرب الباردة، التي فقدت قيمتها منذ زمن طويل ولم تعد تفي بالغرض.

وعجزت تلك القوى عن بلورة مقاربات تعاونية متماسكة ترتكز على احتياجات المنطقة نفسها.

وفضلت، بدلا من ذلك، السير في الطريق الأسهل وهو السماح للآخرين بتوفير الأمن.

فقد قدّم الأصدقاء والحلفاء من خارج المنطقة دعما ماديا وسياسيا لأمن الخليج، ليس بالمجان بالطبع، بل بكلفة مالية كبيرة.

بدءأ من المعاهدات والاتفاقيات والتعاون الاستخباراتي، إلى الأساطيل البحرية وأنظمة الدفاع الجوي والقوات على الأرض.

وجاء مع هذه الالتزامات الكبيرة أولويات سياسية ومصالح وطنية لم تخدم دائما مصالح المنطقة ودولها وشعوبها.

وربما كان لهذا المسار منطق مقنع في البداية.

ففي نهاية المطاف، لماذا لا تسمح لمن يمتلكون موارد عسكرية هائلة بمستوى القوى العظمى بأن يتولوا أمور أمنك نيابة عنك، خاصة إذا كنت قادرا على تحمل التكاليف؟

لكن الكلفة السياسية على المدى البعيد كانت باهظة جدا.

وربما كان أشد ضررا ما فُرض على المنطقة من الخارج من أولويات، هو اشتراط إقصاء إيران.

ولم يكن إقصاء فقط، بل كان أسوأ من ذلك.

لقد تم تصوير إيران على أنها التهديد الذي ينبغي تنظيم الأمن الإقليمي لمواجهته.

وبدلا من إيجاد هيكل أمن حقيقي يهدف إلى الحفاظ على علاقات مستقرة بين دول الخليج الثمان، أدى ذلك إلى خلق نظام إقليمي غير مستقر قائم على تصور خاطئ تماما بوجود عداء إقليمي جوهري بين إيران ودول الخليج العربية.

في الحقيقة ليس هناك وجود لعداء جوهري من هذا القبيل.

توجد مشاكل، نعم.

لكن الحقيقة الواضحة هي أن العرب والفرس عاشوا في سلام حول الخليج لقرون عديدة.

فالمسألة ليست ما إذا كنت صديقا لإيران أو معاديا لها.

فاليوم، بلاد فارس هي واقع مُعاش، تعداد سكانها 93 مليون نسمة، وتاريخ يعود لثلاثة آلاف سنة.

وهي تمثل نحو نصف ساحل الخليج تقريبا.

وبالتالي، فإن أي هيكل لأمن الخليج لا يشمل بلاد فارس لن يكون مستقرا بطبيعته.

وسيكون غير سليم من الناحية الهيكلية.

وتكشف الأحداث الأخيرة عن الثمن الباهظ الذي ندفعه جراء السماح باستمرار تصور خاطئ قائم على العداء والإقصاء.

اسمحوا لي أن أوضح الأمر.

ليس من الضروري حتى إقناع الأصدقاء والحلفاء خارج المنطقة بذلك.

قد يكون مفيدا بالطبع إقناعهم، وبالتالي، من الجيد الاستمرار في محاولة إقناعهم بأن إيران ليست بالضرورة عدوا أو تهديدا للأمن الإقليمي.

لكنه ليس ضروريا. لأن المهم هو أن الحل لا ينبغي أن يعتمد على الأصدقاء والحلفاء من خارج المنطقة.

فنحن، في منطقة الخليج، هم من تقع على عاتقهم في نهاية المطاف مسؤولية تصميم هيكل أمن إقليمي جديد وتطويره وتنفيذه.

وقد حان الوقت الذي لم يعد فيه من المنطقي إلقاء اللوم على الآخرين.

نحن بحاجة إلى بدء حوار إقليمي جديد حول أمن الخليج، وإلى أن نفعل ذلك قبل أن تُفرض على المنطقة حلول أخرى من شأنها أن ترسّخ فعليا نمط التبعية والإقصاء الذي نحتاج وبشكل عاجل إلى إيجاد بديل له.

والمطلوب هو إطار أمن جديد وشامل، يضم، كما قلت، الدول الثماني المطلة على الخليج.

في مثل هذا اليوم تقريبا، قبل خمسين عاما، اجتمع وزراء خارجية البحرين وإيران والعراق والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في مسقط.

وكان الغرض من الاجتماع الذي عُقد في نوفمبر 1976 هو العمل على وضع ترتيب أمن جماعي للخليج.

كانت المملكة المتحدة قد سحبت قواتها من شرق السويس، وأدرك قادة المنطقة أن هناك حاجة وفرصة في آن واحد لأن ينظموا لأنفسهم هيكلا يضمن الأمن والاستقرار للجميع، بمن فيهم،بطبيعة الحال، عدد من الدول التي لم يمضِ على تأسيسها رسميا سوى بضع سنوات قليلة.

لكن، للآسف كانت هذه أول وآخر مرة تجتمع فيها دول الخليج الثماني حول طاولة واحدة.

كيف ضاعت هذه الفرصة؟

ولماذا لم يتحقق وعد مسقط عام 1976؟

لقد أدت الثورة الإيرانية عام 1979 والغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1980، وكذلك الحرب العراقية الإيرانية على امتداد الثمانينيات، إلى تغيير ديناميكيات المنطقة.

وشجّعت هذه الأحداث الكبرى كل من القوى الإقليمية والعالمية على إهمال المسار المؤدي إلى الأمن الإقليمي الجماعي، وتبني ردود فعل دفاعية. وعلى الرغم من مشروعيتها، بل وضرورتها في ذلك الوقت، إلا أنها تحولت إلى نظام إقصائي يمنع التعاون الإقليمي الحقيقي.

لقد نص مبدأ كارتر عام 1980 على اعتبار أمن الخليج مصلحة وطنية حيوية للولايات المتحدة.

وعلى مدى العقود التالية، كثفت الولايات المتحدة من انخراطها وتعاونها الأمني في المنطقة، بدءا من إنشاء القيادة المركزية الأمريكية في عام 1983، وصولا إلى نشر قوات على الأرض لدعم تحرير الكويت في عام 1990.

ثم أعقب ذلك إعادة تأسيس الأسطول الخامس في المنامة عام 1995، وإنشاء القاعدة الأمريكية في قطر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وكانت سلطنة عمان أول من شارك في هذا الشكل من التعاون الأمني، إذ أبرمت اتفاقية التسهيلات العسكرية مع الولايات المتحدة عام 1980.

وتقتصر الاتفاقية ببساطة على توفير تسهيلات عسكرية عند الحاجة، بموافقة متبادلة. وكان ذلك في المقام الأول ردّاً على الغزو السوفييتي لأفغانستان.

ولقد أدركنا على مدى عقود طويلة الإنجازات الهامة لهذه الاتفاقية، حتى وإن اتضحت عيوبها وقيودها في الآونة الأخيرة.

إن تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 1981، على الرغم من أنه لم يكن مقصودا به بأي حال من الأحوال أن يكون منظمة عسكرية أو أمنية، حقق تعاونا إقليميا حقيقيا ومهما في العديد من مجالات الحياة المشتركة، وأصبح بمثابة حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية في بلداننا.

لكن كان له أيضا، مع مرور الوقت، تأثير غير متوقع وغير مقصود تمثل في ترسيخ جغرافية سياسية أدت، للأسف، إلى تغذية الشك المتبادل.

إن ردود الأفعال هذه، والهياكل التي ورثناها عنها، بعد مرور خمسين عاما على المحاولة الأولى لإقامة تعاون أمني إقليمي حقيقي، كانت وليدة لحظتها التاريخية.

فقد عالجت التحديات التي تغيرت منذ ذلك الحين وتطورت وتتخذ اليوم أشكالا مختلفة تماما.

وليس كثير علينا اليوم أن نسأل أنفسنا:

هل تحديات اللحظة التاريخية الراهنة تتطلب اتباع نهج مختلف؟

من المستحيل بالطبع أن نعود بالزمن إلى مسقط 1976، عندما كانت فرصة وضع ترتيب للأمن الإقليمي الشامل للخليج حقيقية بما يكفي لعقد القمة.

لكن، لا يزال بالإمكان استعادة طموح تلك اللحظة.

يمكن عقد ذلك الاجتماع مرة أخرى.

ويمكن، بل ينبغي، أن يكون جدول الأعمال طموحا.

هناك قضايا معقدة، وملحة ينبغي معالجتها، ومنها بطبيعة الحال بلورة فهم مشترك لترتيبات حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.

لكن مهما بلغت أهمية هذه القضايا، ينبغي أن يكون هناك هدف شامل أكثر جرأة تتركز عليه مداولات الدول الثمان.

وينبغي أن يكون الهدف هو التوصل إلى ميثاق لعدم الاعتداء بين الدول الثمان.

وهذا هو الشرط المسبق الأساسي لقيام هيكل أمن إقليمي شامل وحقيقي.

ولن يكون هذا الهدف سهل التحقيق.

فهناك أسباب قديمة وحديثة جدا للشك وعدم الثقة وعدم اليقين المتبادل.

لكن هناك إدراكا مشتركا متناميا بحقيقتين أساسيتين:

o أن الطريق إلى المستقبل ينبغي أن يشمل جميع دول الخليج الثماني؛

o وأنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على تعاون الشركاء الخارجيين.

وهذا لا يعني التخلي عن الشراكات الخارجية.

بل يعني فقط إن دورها في هيكل الأمن الإقليمي لا يمكن أن يكون رئيسيا.

والأمل معقود على ألا تأخذ الشراكات الخارجية، مع مرور الوقت، شكل الالتزامات العسكرية، وأن تبدو أقرب إلى التعاون الاقتصادي والاستثمار في مستقبل الخليج وفي إقامة شراكة اقتصادية معه.

مع الخليج كله. الدول الثمانية.

كان هذا التطلع جزءاً مما كان على المحك في المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة.

بعبارة أخرى، ليست هذه فكرة جديدة أو غير متوقعة، بل هي مسألة ناقشتها باستفاضة ولساعات طويلة مع كلٍّ من إيران والولايات المتحدة.

وفي سياق ما بعد الحرب، ستتاح فرصة اقتصادية هائلة، ليس للولايات المتحدة فقط، بل لدول المنطقة نفسها أيضا.

التفاصيل ستكون صعبة، والمحادثات ستكون شاقة وطويلة.

لكن الاتجاه المطلوب اتباعه واضح، وينبغي اتخاذ الخطوات الأولى الآن.

فإذا كثفت دول الخليج جهودها، سيكون من الممكن تحقيق الأمن الإقليمي الشامل على غرار الرؤية التي طُرحت عام 1976.

وقد يبدو العمل على تحقيق هذا الهدف أمرا يتعارض مع المنطق في ظل الظروف الراهنة.

لكنه في الحقيقة هو المسار العقلاني الوحيد.

إنني أرحب بالأفكار الجديدة والتفكير المتطور لدى زملائي في الخليج.

وأتطلع إلى مواصلة النقاش لمصلحتنا جميعا.

شكرا لكم