معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية

كلمة معالي السيد وزير الخارجية في خلوة مسقط

23 نوفمبر 2025

نص كلمة معالي السيد بدربن حمد بن حمود البوسعيدي في خلوة مسقط – منتدى أوسلو 23 نوفمبر 2025:

“مساء هذا اليوم، أرغب في التحدّث عن التحديات التي تواجه النظام الدولي وسيادة الدول، والتي تنشأ في حالات التدخلات العسكرية الأجنبية. وبطبيعة الحال، لا يمكننا تجاهل الأفعال غير القانونية الواضحة، مثل حرب روسيا في أوكرانيا، أو اجتياح إسرائيل لغزة واحتلالها غير القانوني المتواصل لفلسطين. ورغم أن هذه التطورات مُقلقة — لما تُلحقه من عنف ومعاناة بالمدنيين الأبرياء، ولما تُحدثه من أضرار جسيمة بالأمن الدولي على نطاق أوسع — إلا أننا نشهد أمثلة أخرى كثيرة لتدخلات أقل وضوحًا، لكنها لا تقلّ خطورة وإيذاءً.

ويبدو لي أنّ هذه التدخلات غير الظاهرة بوضوح قد تكررت في العقود الأخيرة، أو على الأقل أصبحت أكثر قابلية للمرور دون تعليق أو اعتراض مستدام من جانب المجتمع الدولي. وأتفهم أن لهذه التدخلات دوافع متعددة، وأن بعضَها قد يكون حسن النية أو نابعًا من اعتبارات يراها أصحابها مبررة ومعقولة. ولكنها — في الغالب — نادرًا ما تنجح، غالبًا لأن من يوجّهها ويخطط لها وينفذها يفتقر إلى فهم الظروف المحلية والعلاقات الضرورية مع الأطراف والمؤسسات القادرة على تحقيق نتائج سياسية واقعية. كما أنها — في معظم الأحيان — تعقّد مهمة تسوية النزاعات، لأنها تزيد عدد الأطراف المنخرطة في أي عملية حلّ، وتُدخل قضايا ومصالح إضافية يجب التعامل معها في أي وساطة أو مفاوضات. لكن الأهم من ذلك كلّه، أن هذه التدخلات، وتزايدها، باتت تقوّض القانون الدولي وتهدد بنقض منظومة الاتفاقات والتفاهمات التي — رغم عدم كمالها — أسهمت كثيرًا في الحد من النزاعات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهدفي هنا هو طلب تعاونكم في صياغة استجابة جماعية لمشكلة أراها آخذة في التفاقم. لذا سأطرح أمامكم بعض الأفكار التي عملتُ على تطويرها خلال الأشهر الماضية، والتي قادتني إلى إدراك خطورة هذا المسار.

بعد الفظائع والدمار واسع النطاق اللذين خلّفتهما الحرب العالمية الأولى، حاول المجتمع الدولي وضع إطار من شأنه — كما أُمِل آنذاك — حظر ممارسات الغزو العنيف وضمّ الأراضي، والتي كانت تُعتبر سابقًا جزءًا مقبولًا من العلاقات الدولية. فقد كان يُنظر إلى الحرب على أنها وسيلة مقبولة وقانونية لفرض الحقوق الوطنية وتسوية النزاعات بين الدول. وفي عام 1928، تم التوصل إلى “ميثاق كيلوغ–بريان” الذي نصّ على جعل الحروب العدوانية غير قانونية، وحظر الغزو الإقليمي.

وقد مُنح فرانك كيلوغ، وزير الخارجية الأميركي الذي حمل الميثاق اسمه إلى جانب الوزير الفرنسي أريستيد بريان، جائزة نوبل للسلام في العام التالي تقديرًا لدوره في إنجازه. لكن تبيّن لاحقًا أن هذا الميثاق لم يتمكن من ردع الأعمال التوسعية والعدوانية لكل من ألمانيا النازية واليابان، والتي أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية. غير أنه من المهم الإشارة إلى أن الغزوات التي أشعلت الحرب العالمية الثانية كانت تُعدّ غير قانونية، في حين أن غزوات الحرب العالمية الأولى لم تكن كذلك.

وقد نتذكر أن أوّل التهم الموجهة في محاكمات نورمبرغ ضد مجرمي الحرب النازيين كانت تتعلق بانتهاكهم لأحكام ميثاق كيلوغ–بريان. وفي عام 1945، جدّد ميثاق الأمم المتحدة التأكيد على أن “التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة” يُعدّ أمرًا غير قانوني. وفي عام 1949، مضت اتفاقيات جنيف إلى تحديد الأفعال التي تُعدّ غير قانونية أثناء الحروب. لقد كان من بين الأهداف الأساسية للنظام الدولي، الذي تشكلت الأمم المتحدة ليكون أساسه وضامنه، فرض حدود قانونية واضحة على سلوك الدول في زمن الحرب. وخلال معظم القرن العشرين، أسهم هذا الإطار القانوني ومؤسساته بدرجة كبيرة في ترسيخ توافق دولي واسع يدعم مبدأ سيادة الدول ويعارض الحروب العدوانية.

وقد أدى ذلك إلى انخفاض كبير في الحروب القائمة على الغزو والتوسع، حيث تراجع الاستيلاء على الأراضي بين الدول — مع نهاية القرن — إلى أقل من 10% مما كان عليه قبل إقرار هذه الاتفاقات الدولية. وبالطبع، لم يمنع هذا الإطار جميع الانتهاكات. فالغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، والتدخل العسكري الأميركي في غرينادا عام 1983، وكذلك حرب فيتنام، كلها أمثلة حاضرة. لكن في كل تلك الحالات، كانت أفعال الأطراف المتدخّلة محل إدانة واسعة، واتُخذت إجراءات سياسية واقتصادية وقانونية للتنديد بها، ولإعادة التأكيد على المبادئ الدولية. والمهم هنا ليس أن الإجماع الدولي منع حدوث هذه التدخلات، بل أنه منعها من أن تصبح أمرًا طبيعيًا أو مقبولًا.

أما اليوم، فأخشى أننا أصبحنا قريبين من عالم تُقبل فيه بعض أشكال التدخل الأجنبي — وإن لم تصل حدّ الغزو أو الضمّ الصريح — باعتبارها جزءًا طبيعيًا من العلاقات الدولية، لا باعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي. كيف حدث ذلك؟ لا أرغب في إلقاء اللوم على طرف بعينه. بل أعتقد أن الوضع الخطير الذي نعيشه اليوم هو — إلى حد كبير — نتيجة لأعمال اتُّخذت بنوايا حسنة منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنها انتهت بتبعات مؤسفة وغير مقصودة.

وأستحضر هنا التدخل العسكري الذي قادته “الناتو” في عام 1999 ضد جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية، لإنهاء عمليات التطهير العرقي في كوسوفو، وللمساهمة في إسقاط نظام سلوبودان ميلوشيفيتش — الذي تمت محاكمته لاحقًا بتهم جرائم حرب. والمفارقة هنا أن الإطار القانوني الدولي الذي وُجّهت إليه التهم ضد ميلوشيفيتش، كان قد تم انتهاكه عبر العمل العسكري الذي أطاح به — وهو عمل اعترف كثيرون آنذاك أنه انطلق من نوايا إنسانية نبيلة.

ولمن دعموا ذلك التدخل، غَلَبت الأخلاقُ القانونَ الدولي. لكن هذا التبرير الإنساني للتدخل العسكري أصبح لاحقًا أساسًا لتوسّع كبير في مفهوم “التدخل الإنساني”. وبما أن تدخل الناتو ارتبط — عمليًا — بتغيير النظام، فقد أصبح سابقة تُستخدم لتبرير تدخلات لاحقة بهدف تغيير الأنظمة، رغم أن الأسس الأخلاقية لهذه العمليات كانت أقل وضوحًا بكثير. دعونا نفكر للحظة في العراق. ففي عامَي 1990 و1991، أظهر المجتمع الدولي التزامه الواضح بمبدأ عدم جواز الحروب العدوانية، عبر عمل جماعي لإجبار العراق على الانسحاب من الكويت.

وبعد تحقيق هذا الهدف — وفق القانون الدولي — امتنعت قوات التحالف عن غزو العراق أو إسقاط النظام، رغم دعوات قليلة تطالب بذلك. لكن هذا النهج المنضبط والمستند إلى القانون الدولي تراجع بعد أحداث 11 سبتمبر، مع بدء تدخلين عسكريين أجنبيين — في العراق وأفغانستان — بدعوى القضاء على التهديد الإرهابي، لكنهما كانا — في الواقع — مشروعيْ تغيير نظام. وقد شكل إعلان “الحرب على الإرهاب” غطاءً إنسانيًا وأخلاقيًا لتدخلات كانت غير قانونية، وثبت لاحقًا — خلال 20 سنة — أن لها تبعات مدمرة للغاية على شعوب العراق وأفغانستان، وعلى المجتمع الدولي بأكمله، بما في ذلك شعوب منطقتنا. لقد تمّ تجاوز خط فاصل. فأصبحت تجربة تغيير النظام في العراق نموذجًا لتغيير النظام في ليبيا، حيث تنافست تدخلات متعددة في سياق حرب أهلية. ومنذ ذلك الحين، شهد العالم تدخلات كثيرة مشابهة — بعضها مباشر، وبعضها عبر أطراف بالوكالة، وبعضها خليط معقّد بين الاثنين. وأصبح من المألوف أن تتدخل دول في حروب أهلية لدول أخرى، وأن تدعم فصيلًا ضد آخر، أو ترسل قوات أو تستعين بمرتزقة. وهذا ما حدث في سوريا. وحدث كذلك في اليمن والسودان — ونتج عنهما اثنتان من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، إحداهما قد تشمل جرائم إبادة جماعية.

كما ظهر نوع آخر من التدخلات، لا يقل خطورة: عمليات الاغتيال خارج إطار القانون — بما في ذلك اغتيال خصوم سياسيين أو مقاتلين مفترضين — على أراضي دول أخرى. كما حدث عندما اغتالت إسرائيل إسماعيل هنية في طهران العام الماضي. ومع تزايد تطبيع مثل هذه الأعمال، بات شائعًا أن تهدد بعض الدول بعمل مماثل. حتى التهديدات الأقل جدّية تحمل مخاطر. فقد سمعنا مثلًا تصريحات حول احتمال غزو الولايات المتحدة لكندا أو ضمّ غرينلاند — رغم أنها غير جدية — لكن عدم إدانتها يعزّز فكرة أن مثل هذه الأفعال يمكن تصورها دون مساءلة. وما هي إلا خطوة قصيرة من هذا النوع من الخطاب إلى عالم قد يتخيل فيه البعض تنفيذ مثل هذه الأعمال دون عقاب — حيث قد تتحول احتكاكات بحرية في الكاريبي مثلًا إلى غزو لفنزويلا. وذلك عالم بلا قانون دولي. عالم يعود بنا إلى مرحلة ما قبل القرن العشرين، حين كانت الحروب العدوانية قانونية. عالم يتهدد فيه المستضعفون باستمرار.عالم يصبح فيه “القوة” هي “الحق”، مهما كانت التكاليف الإنسانية.

لهذا أدعوكم — كزملاء ملتزمين بالوساطة وحل النزاعات — للتفكير معي في كيفية وقف هذا المسار الخطير نحو تطبيع التدخلات الأجنبية. وكخطوة أولى: ينبغي إدانة جميع أشكال التدخلات — والتهديدات بها — بشكل واضح وجماعي ورسمي. والخطوة الثانية: دعوة إلى مؤتمر عالمي تحت رعاية الأمم المتحدة، تُجدد فيه الدول التزامها الصريح بالأدوات القانونية الدولية التي تحظر مثل هذه التدخلات. لسنا بحاجة إلى قوانين جديدة — بل نحتاج إلى تجديد الالتزام القائم وعلنه. وينبغي أن تكون هناك تداعيات على الانتهاكات. والخطوة الثالثة — وهي الأهم والأصعب — تعزيز قوة القانون الدولي عبر جعل أحكام محكمة العدل الدولية قابلة للتنفيذ. وأقترح — من هذا المنبر — أن يُكلّف فريق عمل من هذا المنتدى بالتعاون مع خبراء قانونيين في محكمة العدل الدولية، لدراسة الآليات الممكنة لضمان تنفيذ هذه الأحكام. وهذه — باختصار — الأفكار التي أضعها أمامكم للتأمل والمناقشة.

شكرًا لكم”